الشيخ محمد رشيد رضا

358

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلا ، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم ، وأجاب في الكشاف بأنه « يجوز ان يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف » أقول ويجوز ان يكونوا قد ذكروا تبعا لوالديهم ، لأنهم يكلفون ان يهاجروا بهم ، فإذا كان الولدان عاجزين عن السير مع الوالدين والوالدان عاجزين عن حملهم كان من عذرهما ان يتركا الهجرة ما داما عاجزين ولا يكلفان ترك أولادهم * * * فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ والإشارة بأولئك إلى من استثناهم ممن توعدهم على ترك الهجرة ، أي ان أولئك المستضعفين الذين لم يهاجروا للعجز وتقطع الأسباب والحيل وتعمية السبل يرجى ان يعفو اللّه عنهم ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الكفر . والوعد بعسى الدالة على الرجاء ، أطمعهم تعالى بالعفو ولم يجزم به للايذان بأن أمر الهجرة مضيق فيه ، وانه لا بد منه ، ولو باستعمال دقائق الحيل ، والبحث عن مضايق السبل ، حتى لا يخدع محب وطنه نفسه ويعد ما ليس بمانع مانعا . وصرح كثير من المفسرين بأن صيغة الرجاء من اللّه تعالى للتحقيق والقطع ، وليس هذا الذي قالوه بالتحقيق الذي يقطع به ، وانما الرجاء فيها بالنسبة إلى المخاطب وعلم اللّه بتحقيق الرجاء أو عدمه قطعي . وقال الأستاذ الامام : قالوا إن « عَسَى » في كلام اللّه للتحقيق ولا يصح على إطلاقه لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها . ونقول فيها ما قلناه في لعل وهو ان معناها الإعداد والتهيئة ، والمعنى انه تعالى يعدّهم ويهيؤهم لعفوه ، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي ان صح هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً أي وكان شأن اللّه تعالى العفو عن المخالفات التي لها أعذار صحيحة بعدم المؤاخذة عليها ، ومغفرتها بسترها في الآخرة وعدم فضيحة صاحبها ، لأنه تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها * * * وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وصل هذا